محمد طاهر الكردي

531

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

فإذا فهمت ما تقدم ، عرفت عناية اللّه عز وجل وعظيم رحمته بأهل مكة ، وعظيم رحمته وإحسانه عليهم خاصة بمؤمنهم وكافرهم ، وعظيم رحمته وإحسانه بكافة عباده المؤمنين والكافرين عامة . فلو استجاب اللّه تعالى دعاء خليله إبراهيم ، عليه أفضل الصلاة والتسليم ، حينما قال في الآية المذكورة : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لما رزق اللّه ، تبارك وتعالى ، الكافرين منهم ثمرة واحدة من الثمرات ، فاللّه عز وجل فضله واسع وإحسانه عميم : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ . حكمة جعل مكة كثيرة الألبان واللحوم والذي يظهر لنا ، واللّه تعالى أعلم بغيبه ومراده : أن مكة جعلها اللّه تعالى وهي بلده الأمين ، في واد غير ذي زرع يحيط بها الجبال من جميع الأطراف ، لا يكثر فيها سوى اللحوم والألبان كدعوة إبراهيم عليه السلام لها بذلك ، ولم يجعلها كمصر والشام كثيرة الزروع والثمار تجري من تحتها الأنهار ، لحكمة دقيقة تقصر عن إدراكها الأفهام والعقول ، منها ما هو حسي ومنها ما هو معنوي . فالحكمة المعنوية أن الوافدين إلى مكة لا يفدن إليها إلا للحج والعبادة فقط امتثالا لأمر اللّه سبحانه وتعالى ، فليس هناك ما يدفعهم للسفر إليها من المرغبات الدنيوية كالنزهة وترويح النفس بما فيها من الخضرة والبساتين وأنواع الملاهي والمسليات . ومن الحكمة الحسية الظاهرة : أن الإنسان الذي يقتصر في أكله على الألبان واللحوم ، يكون أقوى بنية وأصح بدنا ممن يكثر الأكل ويخلط تغذيته بأنواع المأكولات والخضروات وينغمس في اللذائذ والمنعمات ، لذلك نرى العرب والبدو والرعاة في القفار والجبال لهم من الصحة والعافية ما ليس لأهل المدن ، كما نرى أنهم لا يعرفون الأمراض المنتشرة في أهل الترف والنعيم ، ولا شك أن الصحة والعافية للإنسان من أعظم نعم اللّه عز وجل على عباده . والذي يؤيد صحة نظريتنا هذه ما ذكره ابن خلدون رحمه اللّه تعالى في مقدمته حيث يقول : ( اعلم ) أن الأقاليم ليس كلها يوجد بها الخصب ، ولا كل سكانها في رغد من العيش ، بل فيها ما يوجد لأهله خصب العيش من الحبوب والأدم ، والحنطة والفواكه لزكاء المنابت ، واعتدال الطينة ، ووفور العمران . وفيها